الصفحة الرئيسية

مقدمة

أزمة الطب العلمي

مفهوما المرض والشفاء

الآليات التي تجعلنا "نمرض"

عمليتا المرض والشفاء

أيقظ قدرتك الكامنة على الشفاء

المراحل الأربعة لعملية الشفاء

العلاجات

المرض كرسالة رمزية

ما السرطان؟

هل الشفاء والوقاية من السرطان ممكن؟

معوقات الشفاء المنتظم

بعض الخطوات الوقائية

ما السرطان؟

 

 

إيجاد المنشأ النفسي لجميع الأمراض

منذ بدء أبحاثي عن إجرائيات المرض والشفاء، هناك الكثير من الأشخاص الذين لم يفهموا الترابط المنطقي ما بين مهنتي كمؤهل في مجال الديناميكية العلاقاتية الشاملة، والأبحاث العميقة التي قمت بها عن منشأ الأمراض منذ أكثر من 15 سنة، وكيف أن الأمراض ليست ابتلاءً مباشراً من عند الله تعالى، ولكن عدم الصبر على الابتلاءات والمحن التي تصيبنا وعدم قدرتنا على التعايش معها هي التي تسبب لنا الأمراض. وقد كان من الصعب في بعض الأحيان فهم كيف يمكن للصحة الجسدية والسرطان والاحتشاءات والتصلب اللويحي أن يكونوا جزءاً من نشاطي وعملي. وقد صدمت كثيراً بعجز الكثيرين ممن قابلتهم أمام التوترات والإرهاق والصراعات، وانعكاس ذلك على صحتهم الجسدية إلى درجة ظهور أمراض خطيرة لديهم، والتي قد تكون مميتة في بعض الحالات. وفي العديد من المرات كنت شاهداً على النزاعات الخطيرة والحادة في أقسام عدد من المؤسسات والتي تؤدي ببعض الأشخاص إلى حتفهم، وقد كنت شاهداً على الكثير من النزاعات العائلية في محيطي، والتي تسببت في ظهور بعض الأمراض التي كانت شدتها وخطورتها، تتناسب طرداً مع شدة النزاع الذي تسبب بها.

عندما قرأت بعض الكتب المتعلقة بالعلاج التجانسي، كان لدي شعور مسبق أن بعض الاضطرابات النفسية أو العلاقاتية قد تطلق اختلالات توازن نفسية أو بيولوجية. وقد عرفت من خلال قراءتي للعديد من الكتب إمكانية وجود معنى رمزي للأمراض دون أن أفهم الآليات، وفي تلك الحقبة اعتبرت أن المرض هو تعبير فيزيائي عن اضطراب نفسي أو روحي.

وبعد اطلاعي على أعمال قام بها باحثون متميزون عام 1990 تأكدت علمياً من وجود قوانين ثابتة وصحيحة دائماً، تربط ما بين النفس والجسد. أبعد مما يطرحه الطب النفسي-الجسدي "سايكوسوماتيك" وأنا أرى في هذا الأخير طريقة مهذبة لإخفاء عجز الطب الحديث في تفسيره لظهور بعض الأمراض. وإنه لمن السهل أن ننطق بهذه الجملة السحرية: "إنه نفسي-جسدي" (سيكوسوماتيك).

أدركت بفضل هذه الأعمال، أنه أمر أساسي وحيوي أن يتعلم كل واحد فينا، من باب الوقاية، كيف يوقف لعبة الضغوط أو السيطرة التي نخضع لها يومياً في حياتنا المهنية والخاصة. وأن يصون حاجاته، وأن يتحكم بانفعالاته، وأن يبني علاقات أسرية مبتهجة سواء مع الشريك، أو مع الأطفال.

ومنذ اطلاعي على أعمال ودراسات الدكتورClaude  سنة 1997، لم يعد لدي أدنى شك أن أكبر خدمة يمكنني أن أقدمها للرجال والنساء، ليست أن أصبح طبيباً أو معالجاً، وإنما أن أعلمهم كيف يتحكمون بديناميكية علاقاتهم مع أنفسهم ومع الآخرين. وبالطبع، وبفضل مقاربة مماثلة تزداد سيطرتك على ديناميكيتك العلاقاتية الشاملة شيئاً فشيئاً، ويزداد استقلالك الذاتي وقدرتك على تجنب إصابتك بالكثير من الأمراض التي تصيبك عادة. وقد جربت ذلك بنفسي منذ عام 1988، التاريخ الذي قابلت فيه لآخر مرة طبيباً تجانسياً. فمنذ ذلك الوقت، وبرغم الحياة القاسية التي عشتها، فإنني لم أعد بحاجة إلى أي دواء تقليدي أو أي علاج تجانسي. وهكذا أصبحت رعايتي الصحية مجانية، وقد لاحظت هذا الأمر عند عدد كبير من الأشخاص في محيطي المباشر.

تطور السرطان خلال عشرين عاماً

وفقاً لتقرير أعدته وزارة الصحة الفرنسية عن وضع السرطان في فرنسا سنة 1995، والتي تم تقديمه في ملتقى بوزارة الصحة الفرنسية في شهر ديسمبر 1998 فإن السرطان قد أصبح السبب الأول للوفيات لدى الرجال، والسبب الثاني للوفيات لدى النساء، بعد الأمراض القلبية-الوريدية. وبرغم مئات مليارات الدولارات التي يتم إنفاقها سنوياً، على مستوى العالم، في أبحاث السرطان، فإن هذا التقرير يظهر أن نسبة الإصابة بالسرطان ازدادت %21 عند الرجال و %17 عند النساء، ما بين عامي 1975 و 1995.

من الناحية الإحصائية ما أسباب الوفاة عند الرجال؟ سرطان الرئة هو السبب الأول، بحسب التقرير السابق، ويأتي بعده سرطان البروستات ثم سرطان الكولون-المستقيم. أما عند النساء فإن الأسباب الثلاثة الأولى للموت بسبب السرطان فهي على التوالي، سرطان الثدي، سرطان الكولون- المستقيم، سرطان الرئة.

يظهر هذا الشكل، المأخوذ من التقرير الفرنسي، أهم أسباب الوفيات بسبب السرطان بين الرجال والنساء.

من المقلق أن عدد الإصابات السنوية ببعض أنواع السرطان قد تضاعف، خلال عشرين عاماً (سرطان الثدي) أو أصبح ثلاثة أضعاف خلال نفس الفترة (سرطان البروستات). تُظهر المنحنيات الممثلة للإصابات (الجديدة) أن العدد يتخذ منحى متزايداً في أوروبا، برغم أن عدد الوفيات يتزايد بسرعة أقل.

تظهر هذه الرسوم البيانية الأربعة - المأخوذة من التقرير ذاته - معدل الإصابات بالسرطانات المذكورة في أوروبا ما بين عامي 1995 - 1975، والأرقام المذكورة للإصابات مأخوذة بالنسبة إلى 100,000 مواطن. يمثل الخط المستمر (_______) عدد الإصابات الجديدة المسجلة سنوياً، في حين يمثل الخط المتقطع (----------) عدد الوفيات السنوية، أي عدد الوفيات ممن تم تشخيص المرض لديهم في الأشهر أو السنوات السابقة.

 

وأورد فيما يلي احصائيات حول مرض السرطان في العالم أوردتها منظمة الصحة العالمية في عام 2002

 

إحصائيات منظمة الصحة العالمية حول السرطان 2002- ذكور

الموقع

الحالات

الوفيات

بعد عام

بعد 5 سنين

التجويف الفمي

175916

80736

133993

466683

الحلقوم العلوي

55796

34913

40834

144277

باقي أجزاء الحلقوم

106219

67964

71982

215757

المريء

315394

261162

121790

295076

المعدة

603419

446052

302067

951403

القولون والمستقيم

550465

278446

423416

1515221

الكبد

442119

416882

113806

274539

البنكرياس

124841

119544

30155

76241

البلعوم

139230

78629

108722

396304

الرئة

965241

848132

380807

938759

سرطان الجلد

79043

21952

73013

309690

البروستات

679023

221002

604506

2368659

الخصيتين

48613

8878

41404

192239

الكلى

129223

62696

94248

362404

المثانة

273858

108310

224742

860299

المخ والجهاز العصبي

108221

80034

50734

157685

الغدة الدرقية

37424

11297

31735

136671

اللاهودجكين

175123

98865

115493

427086

الهودجكين

38218

14460

30306

129044

سرطان الجلد المنتشر

46512

32696

32947

98176

سرطان الدم

171037

125142

91332

290689

جميع المواقع ما عدى الجلد

5801839

3795991

3390545

11547465

 

 

إحصائيات منظمة الصحة العالمية حول السرطان 2002- إناث

الموقع

الحالات

الوفيات

بعد عام

بعد 5 سنين

التجويف الفمي

98373

46723

75769

273356

الحلقوم العلوي

24247

15419

17786

63235

باقي أجزاء الحلقوم

24077

16029

16630

52905

المريء

146723

124730

54159

129394

المعدة

330518

254297

166436

522156

القولون والمستقيم

472687

250532

362911

1315195

الكبد

184043

181439

46521

111446

البنكرياس

107465

107479

26002

66596

البلعوم

20011

11327

15463

57944

الرئة

386891

330786

162377

423467

الجلد

81134

18829

75940

332953

الثدي

1151298

410712

1060042

4406080

عنق الرحم

493243

273505

381033

1409265

الرحم

198783

50327

183528

775542

المبيض

204499

124860

153761

538499

الكلى

79257

39199

57234

223235

المثانة

82699

36699

64673

249966

المخ والجهاز العصبي

81264

61616

37721

118861

الغدة الدرقية

103589

24078

89315

394698

اللاهودجكين

125448

72955

86221

324184

الهودجكين

24111

8352

20178

87449

سرطان الجلد المنتشر

39192

29839

27925

84521

الدم

129485

97364

68394

221134

جميع المواقع ما عدى الجلد

5060657

2927896

3490957

13022650

 

المصدر: كتاب موسوعة الأغذية الواقية من السرطان للدكتور يوسف البدر

 

ما الذي يخبئه هذا؟ عدة عناصر، أولها باعتقادي،  أن المليارات التي تم إنفاقها في البحث منذ سنوات عديدة، لم تسمح للباحثين بتعريف السبب الحقيقي للسرطان، وإلا لما ازداد عدد الإصابات بالشكل الذي رأيناه وقد كان من المفروض التأثير على سبب الأسباب. ويبدو أن عوامل البيئة الفيزيائية والاجتماعية-الاقتصادية والعاطفية تلقي بثقلها، أكثر فأكثر، على نوعية حياتنا، مما يجعلها تساهم في اختلال توازن الكائن البشري. وأخيراً، يبرهن ذلك بشكل جلي على عجز الطب، باستثناء ما يقوم به من عمليات استئصال أو علاج إشعاعي أو كيميائي، فالطب بشكل مستمر في موقع العجز والطريق المسدود كلياً. ويعترف كبار المسؤولين في مجال الصحة أن زيادة عدد الإصابات والوفيات في بعض أنواع السرطان (سرطان الكلية مثلاً) ليس لها تفسير في الوضع الراهن للعلوم.

المفهوم التقليدي للسرطان

إذا لخصت بطريقة مبسطة، المفهوم التقليدي للسرطان. وفقاً للطب العلمي. نحصل على الخصائص الثلاث التالية:

-   السرطان هو تكاثر الخلايا داخل الجسم بشكل فوضوي وعشوائي وغير مضبوط.

-   العوامل المسببة للسرطان (العوامل المسرطنة الشهيرة) ذات طبيعية فيزيائية أو كيميائية أو كهرومغناطيسية أو مؤينة (النشاط الإشعاعي).

-   عندما يصاب الشخص بالسرطان، يخشى من ظهور مراكز أخرى للسرطان في الجسم (انبثاث). وهذا أمر يتم شرحه تقليدياً بهجرة الخلايا المسرطنة إلى أجزاء أخرى في الجسم عبر الدم أو اللمف (السائل الموجود في الأوعية اللمفية).

هذا هو المفهوم التقليدي للسرطان الذي قدمته لنا المجلات العلمية في التلفزيون والمقالات المبسّطة في أغلب المجلات الأسبوعية، ويبدو لي من الضروري أن نطرح بعض الأسئلة البسيطة، والتي بقيت دون إجابة، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في ضوء الطب العلمي.

السؤال الأول: إذا كان السرطان نمواً فوضوياً وغير مضبوط للخلايا داخل العضو، فكيف يضع الجسم، نفسه، أوعية دموية إضافية في خدمة هذا النمو الشديد، كي يغذي الخلايا ويمدها بما تحتاجه في عملية البناء؟! وإذا كان هذا التضاعف في عدد الخلايا ليس أكثر من ظاهرة فوضوية محلية، بطلها العامل الخارجي (العامل المسرطن)، فكيف إذاً، يكوّن الجسم أوعية دموية إضافية تساعد على تسريع نمو هذه الخلايا؟ يتم كل شيء كما لو أن الجسم يعيد ترتيب نفسه بشكل شامل لإنجاح عملية تكاثر السرطان.

السؤال الثاني: إذا كان التكاثر السرطاني غير مضبوط، ولا يمكن ضبطه إلى هذه الدرجة. فكيف تمكن بعض المرضى من النجاة، رغم توقعات موتهم القريب؟

وبطريقة أخرى أقول، لماذا يستطيع بعض المرضى الاستفادة من تراجع المرض كلياً، بينما هناك آخرون ممن أصابهم نفس المرض، يموتون حتماً؟ هنا، تجري الأمور كما لو أن الجسم، في بعض الظروف، قد تمكن من إعادة السيطرة على تكاثر الخلايا الفوضوي.

السؤال الثالث: كيف يمكن ألا يصاب أشخاص بالسرطان، رغم تعرضهم لنفس العامل المسرطِن الذي تسبب بإصابة أشخاص آخرين بالسرطان عند تعرضهم له؟ لنأخذ، على سبيل المثال، سرطان الرئة الذي يصيب أشخاصاً يفرطون في التدخين، في حين أنه لا يصيب أشخاصاً آخرين، مع أنهم يفرطون في التدخين أيضاً. والأسوأ من هذا، لماذا يصاب بعض الأشخاص بالسرطان رغم عدم تعرضهم للعامل المسرطن، المسبب للسرطان الذي أصابهم؟ لنأخذ، على سبيل المثال، أشخاصاً يصابون بسرطان الرئة رغم أنهم لا يدخنون، ولا يوجد في محيطهم مدخنون.

السؤال الرابع: لماذا ينتقل مركز المرض بسرعة عند بعض المرضى، في حين أنه لا ينتقل عند مرضى آخرين، في مراحل متقدمة أكثر من المرض؟ كيف يمكن تفسير عدم العثور على أية خلية مسرطَنة مهاجرة، في عينة دم مأخوذة من مريض مصاب بالسرطان، على الرغم من أن نظرية انتقال مركز المرض تعتمد بشكل أساسي على فرضية هجرة الخلايا عبر الدم، والتي لم يتم إثباتها بعد؟

سؤال إضافي، لماذا لم يهتم أحد من الباحثين أو دارسي السرطان، بحالات "الشفاء الذاتي" التي تحدث منذ عشرات السنين؟ كما أن الذين يلجؤون إلى الطريقة العلمية لا يقومون بما تتطلبه منهم طريقتهم: اختبار المعلومات الجديدة وتحليلها، والبحث لإيجاد نموذج نظري جديد يسمح بتكامل الملاحظات القديمة مع الجديدة. ولهذا السبب نجد في تاريخ الفيزياء نظريات غير مكتملة بقيت على حالها وتناقلتها أجيال عديدة. رغم الملاحظات الجديدة المتزايدة التي لا تدخل في النطاق الضيق للنظرية القديمة. وبنفس الطريقة، غرقت العلوم الطبية في غطرستها، رافضة الأخذ بعين الاعتبار، الإحصائيات المنذرة، متمسكة بالمعتقدات القديمة. لكن الفرق هنا أن أحداً لم يمت بسبب الإيمان، لفترة طويلة بصحة قوانين الميكانيك الكلاسيكي وإنكار النسبية والميكانيك الكوانتي. في حين أن مقاومة التغيير، في الطب، تكلف حياة مئات الألوف من البشر سنوياً.

اسمع القصص التي تروى في محيطك عن حالات شفاء، بطريقة لا يمكن فهمها، من مرض عضال. إن الاستنتاج الذي يتوصل إليه الأطباء عادة هو: "لقد أخطأت التشخيص" أو "هذا غير ممكن، إنه تراجع مؤقت للمرض" ناسين أنهم، منذ عدة شهور قد حكموا على نفس المريض بعدم الشفاء بشكل قاطع ولا يقبل الشك.

إن ما يقدمه الطب، فيما يتعلق بالسرطان، يتلخص بثلاث كلمات: اقتطاع (استئصال العضو المصاب جراحياً)، أشعة (جلسات علاج شعاعي طويلة ومضنية) قتل (قتل الخلايا المسرطنة عبر جلسات علاج كيمائي منهكة ومؤلمة). ولكن ظهور السرطان لا يتوقف، بل إنه في ازدياد، وكذلك الوفيات التي يتسبب بها في ازدياد مأساوي، رغم كل وسائل التشخيص والعلاج الإضافية.

مسيرة التطورات العلمية

عندما اهتميت بتاريخ العلوم، عرفت أن التقدم العلمي تم تحقيقه من قبل علماء وباحثين، امتلكوا الشجاعة الكافية كي يطرحوا أسئلة، تفرضها الملاحظات الجديدة لظواهر لا تعالجها النظريات الموجودة.

ولعل أشهر مثال هو العالم الفلكي كوبرنيك (Copernicus) الذي كان شجاعاً لدرجة غيّر فيها، جذرياً، الفرضيات الأساسية التي تشرح الحركة الظاهرية للكواكب والنظام الشمسي، وعارض النموذج المعقد الذي طرحه بطليموس (Ptolemy) واستمر العمل به لمدة تقارب ألفي عام، والذي يشرح حركة الكواكب المعقدة استناداً إلى فرضية تضع الأرض مركزاً للكون. صحيح أن النظرية القديمة تفسر أكثر من %95 من تحركات الكواكب، ولكن لاحظ كوبرنيك أن حركة المذنبات تخالف تماماً، القوانين التي وضعها أسلافه. وبدلاً من القول أن النظرية صحيحة في %95 من الحالات. فقد قال: "إذا لم نستطع تفسير %5 من الظواهر التي نلاحظها في النظام الشمسي استناداً إلى نظريتنا، فإن هذه النظرية خاطئة كلياً". وهكذا انتقل كوبرنيك من نظام مركزه الأرض، إلى نظام مركزه الشمس، واستطاع عندئذ تفسير الظواهر الفلكية المرئية %100 وبمعادلات سهلة جداً. هذه النظرية التي وضعت في سنة 1500 بقليل كانت مصدراً للثورة العلمية للقرن السابع عشر  وقد تمكن العالمان كيبلر (Kepler) وغاليليه (Galilee) فيما بعد من إيجاد البراهين التي لم يتمكن كوبرنيك من إيجادها لبعض نقاط نظريته. ومن منظور ما كنت قد ذكرته من الإدانات التي تعرض لها بعض الباحثين، أذكر أن البابا بول الخامس (Pall V) أدان، سنة 1616 الأفكار التي قدمها كوبرنيك، على أساس أنها تخالف تعاليم الكنيسة. وبقي الحكم قائماً حتى نهاية عام 1980، عندما اعترفت الكنيسة بخطئها. لقد احتاج الأمر زمناً طويلاً، حوالي ثلاثمائة وثمانين سنة، كي يتم الاعتراف بخطأ الحكم على نظرية جديدة!

وأتمنى ألا يطول الزمن هكذا فيما يتعلق بأعمال الباحثين والعلماء في عصرنا الحاضر.

وهناك إنجازات علمية أخرى، قام بها باحثون، رفضوا التسليم بصحة نظرية صحيحة في 80 أو 85 أو %95 من الحالات، وفضلوا البحث في الظواهر التي لا تستطيع هذه النظرية الكلاسيكية تفسيرها. وقد كان ذلك في بوابات القرن العشرين. إذ لاحظ بعض الفيزيائيين، مثل بلانك (Max Planck) وهايزنبرغ (Werner Heisenberg) وبولي (Walfgang Pauli) وديراك (Paul Dirac)، غرابة سلوك الضوء أو الإلكترونات بعض الأحيان. لقد دفعتهم عبقريتهم إلى التخلي عن المفهوم الموجي البحت للضوء، وعن الرؤية الميكانيكية للذرة، ووضعوا بذلك الفرضيات الأساسية لإحدى النظريتين اللتين تعتبران الأكثر ثورية في الفيزياء الحديثة: الميكانيك الكوانتي. وقد أقيم مؤتمر علمي في نفس تلك الفترة (ما بين 1900 و 1919) تم الإعلان فيه بكل فخر أن جميع الظواهر الطبيعية قد تم تفسيرها علمياً، ولم يتبق إلا بعض الأشياء السخيفة والتي يمكن تدبر أمرها بسهولة، حتى أن المشاركين في هذا المؤتمر أضافوا بتهكم: "إننا نشفق من كل قلبنا على الأجيال العلمية القادمة. لأنه لم يتبق لهم أي شيء أساسي لاكتشافه" ولكن خلال العشرين سنة التالية، ظهرت نظريتان (الميكانيك الكوانتي والنسبية العامة)، غيرتا أكثر من %80 من نظريات الفيزياء الحديثة. دون تعليق.

ونجد، في مجال الطب، قصصاً مشابهة لما مر به فيزيائيو بداية القرن العشرين. لقد وضع الباحثون البيولوجيون والأطباء عدداً كبيراً من النظريات المعقدة، محاولين تقديم تفسير إحصائي للإصابات التي تطال الجسم البشري. ومن المهم ملاحظة، أن جميع النظريات الطبية قد أعلنت مع نسبة شك معينة.

وهكذا، فقد يقال لك، إن التعرض لهذا العامل المرضي أو المسرطِن قد يتسبب في ظهور مرض معين في %25,3 من الحالات. كما يتم التنبؤ بحظوظك في البقاء على قيد الحياة إثر الإصابة بمرض معين لمدة 5 سنوات بنسبة 43,7%. ونظراً للإحصائيات المنذرة، المتعلقة بالسرطان، إذا أردنا تطبيق المحاكمة التي قام بها كوبرنيك، فيجب ألا نقول أن النظريات الطبية صحيحة في %55 من الحالات وخاطئة في %45 منها. ولكن يفضل القول أنه، إذا لم تأخذ هذه النظريات بعين الاعتبار جميع الظواهر المرتبطة بمرض ما، فيمكن افتراض أنها غير مكتملة، على الأقل، وإلا فهي خاطئة %100. وهذه هي الثورة التي أنا بصدد إظهارها وعرضها.

 

مقاربة الطب الحديث

الثورة العلمية الحديثة تقدم رؤية جديدة كلياً للسرطان، استناداً إلى آلاف الحالات التي لم تتطور، كما كان متوقعاً لها دائماً. وبحسب اقتراحها:

-   السرطان عملية منظمة ومضبوطة دائماً من قبل الدماغ، وموجهة بشكل دقيق، لا عشوائي، نحو عضو محدد. إننا إذاًَ على طرفي نقيض مع المفهوم التقليدي للتكاثر الفوضوي والعشوائي وغير المضبوط للسرطان.

-   العامل المسبب للسرطان في %100 من الحالات هو صراع بيولوجي عنيف معاش في عزلة، ويعيشه المريض في الأسابيع السابقة لظهور المرض. وهنا أيضاً، نحن بعيدون عن العوامل المرضية ذات الطبيعة الفيزيائية أو الكيميائية أو الكهرومغناطيسية أو الإشعاعية.

- وأخيراً، فإن ظهور مراكز أخرى للسرطان، غير صحيح. وكل ما هنالك هو ظهور سرطان جديد، أو سرطانات جديدة، سببها صراع بيولوجي جديد، يضاف إلى الصراع الأولي.

إن من يطلّع، للمرة الأولى، على هذه الأعمال ومسلماتها يظن أنها صدرت عن عباقرة أو مجانين!!!

سأقوم بعرض الخطوط العريضة للمنطق الذي أدى إلى هذه الإثباتات الثورية والمدهشة في نفس الوقت.

السرطان: الحل المثالي الذي يقدمه الدماغ إلى الجسد

 

قدم الأرنب المحصورة داخل معدة الثعلب

أحد الأمثلة التي نباشر بها  الدورات التدريبية كينشرح بها تلك الأعمال المذكورة، مأخوذ من ملاحظة السلوك الحيواني: لنتخيل أن ثعلباً قد تمكن من اصطياد أرنب ألقت به الأقدار في طريق الثعلب، بعد ثلاثة أيام من محاولات الصيد الفاشلة. ويبدأ الثعلب بأكل فريسته بتلذذ، ويظل يقظاً ومنتبهاً لجميع الإشارات التي قد تنذره بالخطر. ويكتشف الثعلب، في لحظة ما، اقتراب صياد منه. فيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن أهرب من الصياد وأحافظ على حياتي، تاركاً فريستي، ولكني في هذه الحالة قد لا أصطاد شيئاً في الأيام المقبلة وأموت من الجوع؛ أو أن أستمر في أكل فريستي كاملة، كي لا أموت من الجوع، ولكني أخاطر في هذه الحالة، إذ قد يتمكن الصياد من قتلي. ويرى الثعلب أن احتمال الموت قائم في الحالتين والحل الذي وجده الثعلب كي يخرج من المأزق هو أن يبتلع، دفعة واحدة، أحد أرجل الأرنب، ويهرب تاركاً ما تبقى من فريسته. وبفضل هذا استطاع النجاة من الصياد، وحل مشكلة الموت المزدوجة التي مر بها. ولكن المشكلة الآن هي تلك القدم الكاملة المحصورة في معدته، فلا هو قادر على إخراجها ومضغها، ولا هو قادر على هضمها بالطريقة المعتادة داخل جهازه الهضمي. إذاً، الثعلب مهدد بحدوث الانسداد والموت.

تصل في هذه اللحظة المعلومة التالية إلى الدماغ: "خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة". فيقوم الدماغ باختيار برنامج خارق للهضم السريع، من بين برامج استمرار الحياة المحفوظة فيه. وفي الواقع، إن الطريقة الوحيدة لإنقاذ الحيوان في مثل هذه الحالة، هي الإسراع في هضم ما علق في المعدة. وهكذا ينظم الدماغ فوراً عملية إنتاج خلايا هضمية خارقة، في محيط المعدة. إن هذه الخلايا الخارقة قادرة على هضم أي غذاء بسرعة تساوي خمسة أضعاف سرعة الخلايا الطبيعية.

وطالما أن قدم الأرنب لم تهضم بأكملها، فإن المعلومة البيولوجية القادمة من المعدة تؤكد للدماغ ضرورة الاستمرار في برنامجه المولد للخلايا الهضمية الخارقة. وبالعكس، ما إن تنتهي عملية هضم القدم، أي يزول الخطر البيولوجي، وحتى يوقف الدماغ برنامج استمرار الحياة (أو البقاء)، ويعطي أوامره للتخلص من الخلايا الهضمية الخارقة الموجودة في محيط المعدة.

قبل مواصلة العرض نلاحظ في هذه القصة ظهور الثلاثية معلومة- طاقة- مادة التي تحدثنا عنها سابقاً.

 

 

إن المعلومة ("خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة") التي تنتمي إلى عالم النفسية، ويتم معالجتها في الدماغ عبر برامجه الخاصة بالإنقاذ، وتترجم في العضو (الخلايا الهضمية في المعدة) التي تنتمي إلى العالم المادي. وهكذا يتقاطع عالمان مختلفان (المعلومة من جهة والمادة العضوية من جهة أخرى)، ويكون الدماغ هو الجسر الذي يجمع ما بينهما.

قد يتساءل أحدكم في نهاية هذه القصة : "ولكن، ما علاقة هذا بالسرطان؟" العلاقة قد تعمدت إخفاءها. لماذاً؟ .. في الواقع، إن الخلايا الهضمية الخارقة التي ساعدت الثعلب على النجاة من موت أكيد، والتي أنتجت في نطاق برنامج إنقاذ أطلقه الدماغ، ليست سوى خلايا سرطانية. وبحسب ما يقوله الباحثون - وهذا جزء مما يميز عبقريتهم - فإن الخلايا المسرطنة ليست إلا خلايا طبيعية تمت مضاعفة وظائفها كي تؤدي مهام إنقاذية للشخص، أو الحيوان، الذي يمر بوضع حرج. وبكلمات أخرى أقول، إذا آمنا بما يقوله هؤلاء، فإن الخلايا المسرطنة الموجودة في محيط المعدة، ليست إلا خلايا هضمية خارقة. وإن خلية مسرطنة في الكبد قادرة على تحقيق خمسة أو ستة أضعاف ما تقوم به خلية طبيعية، بنفس الوقت وبشكل أفضل. والخلية المسرطنة في الثدي، هي خلية منتجة للحليب قادرة، عند الطوارئ، على إنتاج كمية من الحليب أكبر بكثير من الكمية المعتادة.

الإثبات التجريبي مخبرياً

ولكي يقوم البحثون بإثبات نظريتهم، وضعوا في أنبوبي اختبار نفس الكمية من خلايا المعدة. وهكذا نجد في الأنبوب A كمية من الخلايا السليمة، ونجد في الأنبوب B نفس الكمية من الخلايا المسرطنة. ثم أعطي لكل مجموعة خلايا نفس كمية الغذاء لهضمها. فأنهت مجموعة الخلايا المسرطنة عملها بسرعة أكبر خمس مرات من سرعة الخلايا السليمة.

أثبت الباحثون في هذه التجربة أن الخلايا المسرطنة تقوم بهضم نفس كمية الغذاء بسرعة أكبر خمس مرات من سرعة الخلايا السليمة.

فالسرطان، إذاً، عند هؤلاء، هو الحل المثالي الذي يقرره الدماغ لحل صراع بيولوجي حاد يهدد الوجود. ففي مثالنا السابق حول رجل الأرنب في معدة الثعلب، الصراع حاد ويهدد وجود الثعلب كما أنه حصرياً من نوع بيولوجي (خطر انسداد المعدة) وقد تسألني، لماذا يتسبب السرطان بالموت، ما دام حلاً مثالياً يقرره الدماغ؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب فهم آلية معالجة الدماغ للمعلومات التي تصل إليه.

معالجة الدماغ للمعلومات

لقد قلت سابقاً، وحسب المعطيات الحديثة لفيزيولوجيا الأعصاب بأنه يجب اعتبار الدماغ عضواً استثنائياً يقوم بمعالجة المعلومات وليس فقط كياناً مفكراً بحد ذاته. بالرغم من أن الاعتقاد السائد حتى في الأعوام 1970-1960 هو أن الدماغ هو مركز الفكر. إلا أن الملاحظات التي قام بها الدكتور مودي (Moody) من الولايات المتحدة الأمريكية، على مرضى يعيشون ما يسمى تجارب قريبة من الموت (Near Death Experiences) N.D.E، قد أثبت أنه بالإمكان القيام باختبارات الإدراك بالرغم من كون التخطيط الكهربائي للدماغ مسطحاً بشكل كامل. النتيجة: دماغنا عبارة عن حاسب خارق، وعضو معالجة خارق ولكنه مجرّد من كل تمييز أو إدراك متبصّر.

وهكذا، مهما كانت طبيعة المعلومات التي تعطيها لدماغك. فإنه يقوم بمعالجتها بنفس الطريقة تماماً. وإن وعيك هو الذي يمكّنك من تمييز المعلومات الصحيحة من المعلومات الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. والدماغ يقوم بمعالجة المعلومات من هذه الفئات الأربع، بنفس الطريقة. لنأخذ مثالاً كي نقتنع. إذا كنت في الحقيقة، جالساً في قطار صغير في الجبال الروسية، وكنت في قمة أعلى طريق منحدر، مسبّب للدوار، فإن دماغك سيقوم بمعالجة هذه المعلومة الحقيقية، آنياً، ويحدث جميع ردود الأفعال الفيزيولوجية للخوف (تسريع دقات القلب، زيادة إفراز الأدرينالين، شحوب الجلد، زيادة التعرق، الخ). وستجد هذا الأمر طبيعياً. والآن، إذا كنت جالساً أمام شاشة حاسبك، وأثناء لعبة تفاعلية، وجدت نفسك في قمة منحدر افتراضي في الجبال الروسية، وإذا كانت الشاشة والمؤثرات الصوتية والمرئية معدّة جيداً، وكنت مندمجاً باللعب، فإن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية السابقة، تماماً، رغم أن هذه المعلومات افتراضية. والآن، يطلب منك أحدهم أن تغلق عينيك وأن تتخيل أنك تصعد شيئاً فشيئاً جبلاً روسياً، مستقلاً القطار، وأنك وصلت قمة أعلى طريق منحدر مسبب للدوار، وبرغم أن هذه الصورة متخيلة تماماً، إلا أن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية التي يحدثها في الحالة الحقيقية. وأخيراً، إذا وضعتك الحياة أمام انهيار مهني حيث أن صاحب العمل قد خفض مرتبتك في العمل، فجأة. أي أنه ألقى بك، رمزيا، نحو الأسفل، في تقدير زملائك ونظر أصدقائك، وهنا سيُحدث دماغك، مجدداً، نفس ردود الأفعال السابقة.

يظهر المثال السابق أن دماغنا لا يميز ما بين المعلومات الحقيقية أو الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. وبمعرفتنا لهذا الأمر، يمكننا أن نفهم لماذا يموت الإنسان بسبب السرطان في بعض الظروف، ولماذا لا يرضخ البعض لهذا المرض، ولماذا يندر وجود حيوانات تموت بسببه.

هروب طفل

لنأخذ مثالاً من السلوك الإنساني، هذه المرة. لنتخيل أن نزاعاً عائلياً عنيفاً قد دفع فتى في الرابعة عشر من عمره إلى مغادرة بيت العائلة، دون سابق إنذار. فاستقل أول قطار ورحل إلى مكان مجهول، دون أن يُعلم العائلة شيئاً عنه طيلة شهور. فيعيش الوالدان، هذا الوضع، كصراع نفسي شديد. وفي الساعات الأولى والأيام الأولى لوقوع هذا الحدث، يشغل هذا الموضوع %100 من تفكير الوالدين، ولكن، في لحظة محددة تتراجع هذه النسبة، إذ يجب أن تستمر الحياة، وأن يتابع الوالدان جميع مسؤولياتهما الأخرى، ويبقى التفكير بالطفل الغائب يشغل الحيز الأكبر من تفكيرهما. ولتحرير الأبوين من هذا الصراع الذي يحتل نفسيتهما %100، يقرر الدماغ ترجمة هذا الصراع النفسي إلى صراع بيولوجي لا يطال أكثر من عضو واحد. وبهذه الطريقة يحرر الدماغ الوعي من هذا الصراع النفسي، كي يتمكن الأبوان من متابعة مشاغلهما الأخرى. هذه إذاً أول خطوة للإنقاذ يقوم الدماغ بها، ولكن نحو أي عضو سيتوجه الصراع البيولوجي؟

لنأخذ، حالياً، حالة الأم. فإذا أصابها القلق جرّاء رحيل ابنها، وقالت لنفسها: "إن طفلي غير قادر على تأمين احتياجاته، لا بد أنه سيموت من الجوع!" ستصل المعلومة التالية إلى الدماغ "خطر: طفلي بحاجة إلى الغذاء". فماذا سيفعل الدماغ؟ سيطلق برنامجاً خارقاً لتغذية الطفل، فيعطي أوامره مباشرة إلى البدن كي يبدأ بإنتاج خلايا مغذية خارقة، وهي خلايا مولدة للحليب، خارقة الأداء. فإذا عرفنا أن هذه الخلايا ليست سوى خلايا سرطانية، ندرك أن الدماغ قد تسبب في ظهور سرطان الثدي، عند قيامه بإنقاذ الطفل رمزياً. يمكننا القول إذاً، أن الأم تمر في هذه الفترة بطور صراع فعّال أو بطور غلَبة الودي (Vagotonia).

لنتخيل أن الطفل قد قرر العودة، بعد مرور ثلاثة أشهر. ما أن يتجاوز الطفل باب المنزل، أو بمجرد أن يعلن هاتفياً عن عودته، ستتولد معلومة جديدة عند الأم مفادها أن الطفل لم يعد في خطر، ويتم معالجة هذه المعلومة مباشرة من قبل الدماغ، وتعتبر إشارة لإنهاء برنامج التغذية. وهكذا يتوقف إنتاج الخلايا المولدة للحليب المسرطنة، وتدخل الأم مرحلة إنهاء الصراع أوطور غلبة المبهم (Sympathicotonia)، ونظراً لعدم وجود مخرج طبيعي متصل بالثدي، يتم التخلص من الورم في مكانه عن طريق تفككه، فلا نعود نجد، بعد عدة أسابيع، إلا منطقة تكلس ميكروية، أي بعض الخلايا الكلسية الجافة، وهي بقايا الحليب الذي تم إنتاجه لتغذية الطفل.

ندرك، بفضل هذا المثال، أن الدماغ يقوم بتشغيل نفس برنامج التغذية الخارق الذي يشغله عندما يكون الرضيع جائعاً. وقد كانت الحاجة إلى الغذاء في مثالنا حالة افتراضية أو متخيلة أو رمزية تماماً. وتنهي القصة لأن الصراع النفسي قد تحول إلى صراع بيولوجي تم إيقافه عند عودة الطفل، هناك إذاً، حالة شفاء حقيقة، شاملة ومؤكدة من سرطان الثدي.

بمجرد أن تعرف الأم أن طفلها ليس في خطر، يطلق دماغها، تلقائياً، عملية شفاء من سرطان الثدي.

 

"الضربة التي لا أستطيع، أبداً، هضمها"

لنأخذ مجدداً القصة السابقة، ولكن من وجهة نظر والد الطفل الهارب، يعيش الأب في الفترة الأولى صراعاً شديداً لكنه مختلف عن صراع زوجته. فبالنسبة له، يشكل هروب الابن عار لا يمكنه قبوله. وبسرعة، وبسبب آلاف الأفكار التي تدور في رأسه، ينتهي الأمر به إلى اعتبار هروب الطفل ضربة لا يستطيع أبداً هضمها. حتى لو عاد طفله يوماً ما. فما الذي يفعله الدماغ، عندئذ، تلقائياً بهذه المعلومة؟ إنه يتصرف مثلما تصرف دماغ الثعلب عندما استقبل المعلومة التالية "خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة". هذه المعلومة غير حقيقية لكنها افتراضية أو رمزية. لا يستطيع الأب هضم هذه الضربة التي وجهها إليه ابنه. وهكذا، وبدون تفكير (نتذكر هنا أن الدماغ مجرد من كل تمييز أو إدراك متبصر) يطلب الدماغ برنامج هضم خارق ويعطي أوامره مباشرة بإنتاج الخلايا الهضمية الخارقة، ويصاب هنا إما بقرحة معدية أو بسرطان المعدة (الخيار ما بين الاثنين مرتبط بشدة إحساس الأب). يظل هذا البرنامج نشطاً طيلة ثلاثة شهور. فالأب لا يستطيع، ولا يريد أن يهضم الضربة التي وجهها إليه ابنه. وعند عودة الطفل بعد ثلاثة شهور، وبرغم أن الأم تطلق عملية الشفاء من السرطان مباشرة (فبالنسبة لها، تضع المعلومة "عودة طفلي" نهاية لبرنامج التغذية الخارق)، ولكن غطرسة الأب وقسوته يمنعانه من هضم الضربة التي تلقاها. إنه لا يسامح أبداً، ويظل في مكانه، ولا يعترف بانتهاء الأزمة. ولهذا يظل الصراع العنيف قائماً في داخله، ويستمر تضخم خلايا المعدة المسرطنة. إلى أن يتم تشخيص سرطان المعدة عنده، ولتبدأ عندئذ رحلة العلاج التقليدية: استئصال، أو تعريض للأشعة أو العلاج الكيميائي.

يظل الأب محصوراً في طور الصراع النشط (غلبة الودي) مما يتسبب بالاستمرار في إنتاج الخلايا المسرطنة.

لماذا لا تموت الحيوانات بسبب السرطان؟

يستنتج الدكتور هامر: لا تموت الحيوانات بسبب السرطان في أغلب الحالات، والسبب أن معظم صراعاتها ذات منشأ حقيقي، ويمكن حلها بواسطة برامج الإنقاذ المخزنة في الدماغ، وما إن يستقبل الدماغ معلومة رجعية مفادها أن الخطر قد زال، فإنه يعطي أوامره بإيقاف برنامج الإنقاذ، والتخلص من الخلايا السرطانية التي تم إنتاجها. وهكذا يعود التوازن إلى العضو والجسد.

ولكن الأمر ليس كذلك عندنا، نحن البشر، فصراعاتنا افتراضية أو متخيلة أو رمزية في أغلب الحالات. وإذا لم يطبق حل عملي لإنهاء الصراع، الذي تسبب بإرسال معلومة غير حقيقية إلى الدماغ أدت إلى إطلاق برنامج منتج للخلايا السرطانية، فإن الدماغ لن يتوقف أبداً عن إنتاج الخلايا، لأن المعلومة المرتجعة المطلوبة، والتي تخبره بزوال الخطر، لن تصل إليه أبداً. وهكذا يستمر الدماغ في تشغيل برنامج الإنقاذ المفترض، مما يتسبب بموت الشخص الذي كان يسعى في بداية الأمر إلى النجاة. وكما يقول الدكتور "صبّاح" ، فإن الموت بحد ذاته هو حل مثالي يقدمه الدماغ لأسباب تتعلق بالبقاء الجماعي. فمن وجهة النظر البيولوجية، تشكل إمكانية الإنجاب، عند المصابين بالأمراض والضعفاء، خطراً على النوع. ومن ثم تصبح الأولوية لبقاء النوع على بقاء الفرد.

إذا دخلنا في أعماق الأعمال المذكورة، سنجد الأسباب التي تجعلنا نموت بسبب السرطان أو أمراض أخرى. وهي أننا عاجزون عن إدارة صراعاتنا، وتسوية قضايانا العالقة وغير المنتهية، وأننا نضمر الحقد والكراهية، ونحزن، ونتعلق، ولا نصبر على الفراق.. إلخ. وبفضل شهادات الباحثين وشهادات الأطباء الذين يتبعون منهجهما، ومئات من الحالات التي سددوها وكذلك في محيطي الشخصي، فقد آمنت بأن ما نقوم به من أعمال يساعد الرجال والنساء على مواجهة صراعات وجودهم، وإرخاء قبضتهم، والتسامح، كي يتمكنوا من الشفاء.

 تعلمت من جميع تلك الشهادات، وبشكل ملموس ما أعلمه بنفسي للآخرين منذ أكثر من 10 سنوات وهو أن  إيقاف تبادلات السيطرة، والتسامح مع الآخر يجب ألا يكون بدافع الكرم والغيرة عليه، وإنما يجب أن يكون بسبب حاجتي غير المشروطة لاحترام ذاتي، وكي لا أنشط في داخلي صراعاً قد يقودني إلى الموت. فعندما أسعى لتسوية القضايا العالقة مع الأشخاص الموجودين في محيطي الخاص والمهني، فهذا لأنني أريد الحفاظ على توازني الداخلي، ولذلك فإنني لا أصغي لمن يقول : "لماذا تسعى لتسوية أمورك معه، إنه لا يستحق ذلك". فما أقوم به ليس بدافع أخلاقي أو بدافع احترامي للشخص الآخر. بل بدافع حماية نفسي، بعيداً عن كل اتهامات الغطرسة، وحسابات الغالب والمغلوب.